السيد كمال الحيدري

55

معرفة الله

التجلّيات الإلهية والأنوار الربّانية ، فهي كائنة قائمة فيه ، وهذا هو سرّ انطوائه على العالم الأكبر « 1 » ، وبذلك سوف يأخذ التجلّي معنىً آخر وهو الحضور الدائم الذي لا يعتريه غياب قطّ ، ولكنّ المشكلة تكمن في الكشف عن تلك التجلّيات الحاضرة أبداً . إنّ التجلّي بمعناه المعهود كان يعني الظهور للمفردة المعنوية في مواضع كانت غائبة عنها ، وهذا التجلّي في الموضع الجديد لا يصاحبه الخلوّ عن الموضع السابق ، فالحركة والانتقال ليست على نحو التجافي التي هي ناموس عالم الحسّ . ومن أدلّة كينونة وديمومة وأبديّة التجلّيات الإلهية في النفس الإنسانية نفس الفطرة الكامنة فيه والتي تُساوق وجوده ، كما عرفت . إنّ هذه الفطرة المُستبطِنة للمعارف الإلهية الرئيسية موجبة لوقوع الفيوضات الإلهية وتجلّي الأنوار الربّانية بما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ولكنّك قد عرفت أنّ الاستغراق في عالم المادّة والنقص ، والأنس بالحسّيات الموجب لتمزّع القلوب ومكوثها في الحواضن الغيرية قد حجب القلوب الطاهرة ابتداءً عن الإشراقات الملكوتية . عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « لولا تمزّع قلوبكم وتزيّدكم في

--> ( 1 ) إشارة إلى ما نُسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام حيث يخاطب الإنسان قائلًا : وتزعمُ أنّك جُرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الأكبر وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : « الصورة الإنسانية هي أكبر حجّة لله على خلقه وهي الكتاب الذي كتبه الله بيده » . تفسير الصافي للفيض الكاشاني منشورات الأعلمي ، 1982 م ، بيروت : ج 1 ص 92 . وإنّما سُمّي الإنسان إنساناً لظهوره في قِبال الجنّ حيث سُمّي بذلك لخفائه . انظر : مجمع البحرين ، مصدر سابق : ج 1 ص 122 .